Arrow

عُزلةُ الذَّهَب

انتظار

ثمّ جلستُ ورسمتُ شخصاً في غرفةِ انتظار ورسمتُ رجلاً ينتظرُ امرأةً وامرأة تنتظر وليداً ورسمتُ أولاداً ينتظرون أولاداً ورسمتُ مَسكِناً مُظلِماً عَيناً داخل الظَّلام. ماذا تفعلُ العَينُ وحدها داخل الظّلام؟ ورسمتُ جندياً نائماً يحلمُ ألاّ يصير بطلاً.
ماذا رسمتُ أيضاً؟

السّحَرة والمُشَعوِذون

ألسّحَرَةُ والمُشَعوِذون يتبعهم حشدٌ منَ الشّعراء،
قالوا كلاماً غامضاً ومَضَوا.

كانتِ الصّبايا، عاشقات المرمَر والياسَمين،
يتفقّدنَ أرحامهنّ في انتظارِ الطّلْق.

أمامهنّ أطفالٌ يلعبون بِسُرَرِهِم.

المنام

أعجب ما يكون أن تقع في المنام من الطّابق السادس
ولا تموت.
ألنّاجون من الحروب قَتَلَهُم ظَنُّهُم بأنّهُم أحياء.
فاصلٌ بين وَهْمٍ ووَهْم.
مرفأ يولولُ بين النّسوة.

كانت الشّجرة

كانتِ الشّجرةُ ترمقني بأغصانها حينَ وددتُ الرّحيلَ
ولم أرحل.
وَضَعتُ الغروبَ تحتَ إبطي ومشيتُ بين الفواصِل
على غيرِ هُدى.

انظروا إلى هذا العصفور

انظروا إلى هذا العصفورِ المشتعل في الفضاء كيف يهزأُ منّا جميعاً. وهذا الجسد الذي تتهاوى عليه الضّربات، كيف لا يُبالي.
حين أكونُ مُهاجراً، يجلسُ الصّباحُ على شُرفتي يرشفُ قَهوَتَه. لو أرجع من رحلتي وأهمس في أُذُنِ الجلاّد أن يكونَ أكثر رأفة.
وهذه الأحاسس، مَن يضعها هنا كصُرَّةٍ بالقربِ من كلِّ وليد.
لترحل النّسوَةُ بعيداً، وبعيداً ليلدنَ. وبعيداً الموت الذي كاختراقِ عصفورٍ جدارَ الصّوت.

يتقدّمني الزّبد

"كم هو مليء بالعزلة هذا الذّهَب".
خ. ل. بورخس

 

متأخِّراً أَصِلُ
تَنَقَدَّمُني أزمنةٌ أُخرى وشواطئ
يتقدّمني الزَّبَد.

 

هنا المحارةُ تمضي ليلها داخلَ جُرح
والأجراسُ الصّدئةُ تتركُ بصماتِها
على الهواء
تسألُ المكانَ الشّاهِد:
"هل القادمون من حيثُ تولدُ الشّمسُ
آلهة أم قَتَلة؟".

 

ألأُمّهاتُ يغسلنَ الوليدَ
والفاتحون ينزلونَه من صروحِ دهشتِه.
أولئك الذين يَستضيئون بالذَّهَبِ
ولا يُبالون
شمعداناتُهم في الليلِ كالخناجر
مذابحُهم وأجسادٌ من الجصّ
ترتفعُ إلى الشّموسِ المهيّأةِ للدّم.

 

متأخّراً أَصِل
يَتقدّمني الزّبدُ الذي يقتفي أثرَ الموتى
في الرّمل.
لا الأشجارُ تَعرفُني ولا الطّيرُ الشّاهِق.
لكنّي أعرِفُها:
"ألنَّخلةُ الزّرقاءُ مركزُ الأرض
ألنّدى مركبُ الصّباحِ ماءُ الأُنثى
ألشّلاّلُ قَفزَةُ الملاك".

 

ماذا يقولُ الماءُ
ماذا يروي الحَجَرُ
والأعشابُ التي جَرّوا فوقَها الأجسادَ.
لو نسمةٌ تَطلعُ من مَخبأِها، تروي!

 

ثمّة قارّاتٌ لم تُكتَشَف،
ثمّة دماءٌ لم تَجرِ مجاريها،
ذَهَبٌ وراءَ الذَّهَب.

(من كتاب "عزلةُ الذَّهَب"، دار الجديد، بيروت 1992)

Arrow
image d'insertion