Arrow

البهلوان الأسود!

عيسى مخلوف

من الطبيعي أن يكون الإنسان انتهازياً، فهذا جزء من النفس البشريّة، لكن أن يكون انتهازياً إلى هذا الحدّ فهذه مسألة أخرى.

إلى هذا الحدّ، أي إلى حدّ انتهاك الحقيقة الموضوعية وسلخ جلدها عن عظامها من أجل الحقيقة الذاتية ومصالحها الضيقة.

إلى حدّ الاستهتار بمعاناة الآخرين والمظالم التي تلحق بهم طالما أن المصلحة الشخصية متوافرة أو يمكن أن تتوافر من طريق التزوير والتمرير والتواطؤ.

مع الابتسامة دائماً وادعاء النزوع الجمالي والإنساني، والوقوف إلى جانب القضايا العادلة، وحماية الأخلاق والمنفعة العامة.

مع الأصدقاء والزملاء والرفاق وذوي القربى، والجهر بالاقتراب منهم، فيما الهمّ الأساسي هو الطعن بهم واستغلالهم واستعمالهم كأدوات رخيصة من أجل مآرب رخيصة.

إنه، بمعنى ما، استعمال كلمة صداقة لتفريغ الصداقة من محتواها، واستعمال كلمة حبّ لنقض جوهر الحبّ، واستعمال كلمة عمل للانقضاض على العمل وتحويله لغماً.

إنه التبشير الضمني بعمل آخر قائم على الوصولية التي لا وصول للأسف، تحت سماء عالمنا العربي، بدون اللجوء إليها، من أعلى الهرم إلى أسفله، ومن أسفله إلى أعلاه. فما الحاجة، والحال هذه، إلى الطاقات والإمكانات والكفاءات؟ ما الحاجة إلى العلم والتجربة والخبرة، طالما أن المطلوب واحد؟

البهلوان الأسود يستقوي بضعفه ويمعن في تلميع صورة السيّد. لا ينفكّ يروح أمامه ويجيء مبدياً رغبته في أن يُداس. هو المولود لكي يُداس. يتمايل مع هواء السيّد المتمايل. يتماهى مع ظلال السيّد، كأنه من شخوص مسرح الظلّ. يأخذ من المكان ما يتوقّع أنها أمنيات السيّد ونياته.

زئبقيّ، متمرّس في كهنوت الطاعة. يتمدّد ويتمطّى. وبحركة واحدة يضؤل. يصبح في منتهى الصِّغَر، أي في الموقع الذي يحتّمه تأليه صاحب سلطة. الوصولي الذي من أجل أن يصل، قادر على سحق مدينة بأكملها.

هنا أيضاً نقع في وهم التباس التمييز بين الإنسان والحيوان، ونكتشف مرّة أخرى أن التعاطي مع الأصناف الحيوانية أسهل بكثير من التعاطي مع أصناف البشر. ذلك أن التعامل مع الحيوان يتحدّد، ومنذ اللحظة الأولى، انطلاقاً من شكله. ليس ثمة شكل واحد لسائر الحيوانات. العصفور ليس ذئباً، والأرنب ليس وحشاً ضارياً، والحمار ليس ضبعاً، والنعجة ليست أسداً جائعاً. هذا فيما الشكل البشري واحد. قناع واحد للجلاد وللضحية، للمخلص وللخائن، للصادق وللمنافق، للرحيم وللذي لا رحمة في قلبه. لجميع الفئات مهما تباينت وتناقضت، وهنا تكمن المصيبة الكبرى. كيف يمكن أن نميّز إنساناً عن إنسان آخر إنطلاقاً من مظهره الخارجي فقط؟ كيف نميّز القاتل عن القتيل قبل وقوع الجريمة؟ القاتل الذي بيننا، وقد يكون في داخلنا، نطعمه ويطعمنا، يفرح لفرحنا ويحزن لأحزاننا. يتودّد لنا وينصب لنا الفخاخ في آن واحد.

هل نحسد الحيوان على جلاء هيئته ووضوحه، أم نظلّ نسعى، وهذا قَدَرُنا أيضاً، إلى استخراج الإنسان من الإنسان في ما وراء الطور البشري المتوحّش الذي يزداد توحّشاً على نفسه وعلى جميع الكائنات الأخرى، ولا تزال تعيش تحت سقفه أعداد هائلة من البشر؟

عيسى مخلوف


("ملحق النهار"، العدد 709، التاسع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2005).

Arrow
image d'insertion