عندما طلب منّي الملحق أن أرصد من باريس ردّ الفعل الأوروبي، والفرنسي في الأخصّ، حيال لبنان خلال خمس عشرة سنة من عمر السلام الأهلي، أحسستُ أنّ المهمّة مستحيلة لاتساعها وتشعّبها. هل أرصد ردود الفعل الرسمية، أو الشعبية، وهي كثيرة هنا وهناك، أم أرصد ما تقدّمه الكتب ووسائل الإعلام المختلفة؟ الصورة التي ترشح عن لبنان في الخارج شاسعة يتجاور فيها الماضي والحاضر، من أشباح الحرب إلى آمال السلم، ومن كتاب ألان مينارغ وما يكشفه عن الحرب اللبنانيّة ومجازرها إلى الحديث عن معرض الكتاب باللغة الفرنسيّة ونجاحه وتصنيفه في المرتبة الثالثة في قائمة المعارض الفرنكوفونيّة في العالم. وهذا كلّه على خلفية الحديث عن واقع سياسي تتخبّط فيه المنطقة العربيّة كلّها، ومن ضمنها لبنان. أمام هذه اللوحة الشائكة والمرتبكة، قلتُ في نفسي إنّ المراجعة، ضمن هذا الحيّز الضيّق، ستكون ناقصة، وإنّي لن أضيف شيئاً على ما قيل وما يُقال، فلماذا لا أتحدّث عن لبنان افتراضي لا لبنان واقعي. لبنان الحلم، على غرار "لبنانات الحلم" في "إشراقات" رامبو، أو على غرار المدن التي تخيّلها الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو في كتابه الرائع المدن غير المرئيّة ، تلك المدن التي جاء وصفها على لسان الرحّالة ماركو بولو وكان يتوجّه بحديثه إلى إمبراطور التتار قبلاي خان، سليل إمبراطور المغول جنكيزخان. مدن هي ابنة المخيّلة ولا وجود لها في الواقع. ومع ذلك فهي تنطلق من واقع ما، وتنطلق أيضاً من أسئلة جوهريّة لا تزال تشغل بنّائي المدن والمهندسين المعاصرين الكبار. ولئن تكن لا توجد على خريطة ما، فإنّها حاضرة بقوّة الإشارة إليها والهجس بها. تحضر وتنوجد بمقدار ما نفترضها ونتوقّع منها أن تكون. في هذا المعنى ألم تكن أرض الميعاد ، لآلاف السنوات، وقبل أن تتحول دولة واحتلالا، مجرّد فكرة مبنيّة على أساطير وأوهام دينيّة؟ ألا تحضر فلسطين في شعر محمود درويش أكثر ممّا تحضر الدول العربيّة بأكملها، الآن، في الواقع؟ فلماذا لا نحلم، ولو لمرّة واحدة فقط، بوطن لا تزال ولادته تتعثّر منذ أن ولدنا؟ نعطيه شكلاً ونعطيه اسماً ونهنأ للعيش فيه، برهة من الوقت!
لبنان الحلم، إذاً! أو بالأحرى، لبنان على أطلس الحلم، فكيف يبدو هذا اللبنان؟
من الفضاء، من نافذة الطائرة الآتية من باريس تنفتح أمام العين البوّابة الأساسيّة للبلد الذي يمكن اختصاره بأزرقَين: أزرق البحر وأزرق السماء، وبينهما أبيض الجبال العالية ينحتها الهواء والماء منذ ملايين السنين وتبدو كمنارات يهتدي بها المسافرون في ذهابهم وإيابهم. وإذا كانت مدن لبنان وقراه نموذجاً لأجمل المدن المتوسّطيّة وقراها، فلأنّ الأجيال المتعاقبة التي شيّدتها أخذت في الاعتبار جمال الموقع الطبيعي وجعلت العمارة على انسجام تامّ معه فبدت كأنّها جزء متمّم له لا عنصر دخيل عليه. هذا الانسجام يطالعنا في كلّ شيء حتّى في اختيار الحجَر ولون الرخام الأبيض الموشّح بالوردي الفاتح الذي جيء به من مقالع منطقة كاراري الإيطاليّة، إذ حسب المهندسون علاقة الرخام بالضوء وتلاوينه في الصباح والمساء. فتصبح واجهات بعض المباني والمنازل بمثابة مرآة ينعكس عليها يومياً بهاء الشروق والغروب.
لقد عرفت المدن والقرى الممتدّة على طول الشاطئ اللبناني، كيف تظلّ مفتوحة على السماء والبحر فلم ترتفع عند رمالها البيضاء مباني الإسمنت الشاهقة، بل تبعثرت، على امتداد هذا الشاطئ المزروع بالنخيل والشربين والأكاسيا والغار، نماذج من العمارة المبنيّة بالرخام الذي أتينا على ذكره، وأيضاً بتلك العمارة التقليديّة الحجريّة بقرميدها الأحمر وقناطرها الجميلة وأقواسها وأعمدتها والشرفات المفتوحة على المدى اللازوردي وعلى تدرّجات الأزرق اللامتناهية. كأنّها نوتات موسيقيّة متكاملة في ما بينها، تأتي من الطبيعة وتذهب إليها في حركة شديدة التناغم والائتلاف. هكذا، تتردّد في قلب كلّ لبناني أصداء عبارة المتنبّي: لكِ يا منازلُ في القلوب منازل . وهناك، في محاذاة الأمواج الهادئة أو المتلاطمة، درَجات حجريّة قليلة تنسرب نحو الماء ويجلس عند أعلاها، في ساعات النهار المختلفة، لا سيّما ساعة الغروب، بعض الحالمين الممسوسين بالسفَر والانتظار.
هذا البلد الذي كان في الماضي مكسوّاً بأشجار الأرز والشربين والصنوبر، يتميّز اليوم بحدائقه العامّة المشبعة أزهارها بشمس كريمة، ومن أبرز هذه الحدائق حديقة بيروت الكبرى المشرفة على البحر، ولها بوّابتان، شرقيّة وغربيّة: بوّابة الياسمين، وبوّابة الغاردينيا، وتُعَدّ أجمل حدائق الشرق الأوسط وأكثرها اتّساعاً ووفرة في أنواع الأزهار والنبات، في الماضي والحاضر. فهي مزيج من حديقة باغاتيل الفرنسيّة وحديقة جنّة العريف في غرناطة المفتوحة على حدائق الإسلام قبل أن تصبح جزءاً من الماضي، وتنهل في بعض زواياها من أجواء الحديقة اليابانيّة التي نتنزّه فيها من بعيد، عبر النظر. إنّها في الواقع انعكاس حيّ للروح الجماليّة لمهندسها وبانيها. وهي، بما تنطوي عليه من جمال وانسجام وعذوبة، شكل من أشكال الفردوس الذي رأى النور في أحد الأيّام على سطح هذه الأرض بالذات. وأمامها، أمام حديقة بيروت حيث تستيقظ الحواسّ من غفلتها، يأتي الموج خفيفاً إلى اليابسة. وقد يصل هذا الموج، في أوان الفوَحان الذي يبلغ أوجَه نهاية نيسان ومطلع أيّار، أعناق الورد. ومعروف أنّ هذه الحديقة تحتوي على سبعة آلاف شجرة ورد تعلن، كلّ عام، المقلب الآخر للفصول.
بين المنازل الأليفة التي أتينا على ذكرها، وبين الحدائق الباذخة، يحتار اللبناني أين يقيم! لكن أجمل ما في هذا اللبنان أنّ الفسيفساء الدينيّة التي ينعم بها تجعله بلداً فريداً من نوعه، آمناً في زمن الإرهاب والعنف، ومثالاً للتعايش ولما يمكن أن يكون عليه العالم بعد مئات السنين من الآن، بعد أن تكتمل إنسانيّة الإنسان، فيتخلّص البشر من قدريّتهم التي تدفعهم إلى الاستئثار والاستعباد، وإلى أكل لحم الحيوان وشنّ الحروب. أي عندما يرتاح الحيوان في أوكاره ويأنس إلى أخيه الإنسان ولا يعود ثمّة دول وحدود وجيوش وأسلحة وحواجز، بل تصبح الأرض وطناً واحداً لجميع أبنائها، بمن فيهم السري لانكيّات والفيليبينيّات والحبشيّات. تصبح فردوساً يحكمه إله عادل.
أهمّ ما في هذا اللبنان أيضاًً أنّه مستقلّ وآمن. لا تحدّه دول طامعة ومتصارعة، ولا نفط يربض قربه ويثير لعاب دول عظمى. مرافئه صلة وصل بين الأمم، وحدوده الشمس والبحر. ويمكننا القول إنّه البلد الوحيد الذي يحميه بحره مثلما الوردة يحميها عطرها لا أشواكها ، بحسب تعبير الشاعر الفرنسي بول كلوديل.
عاصمته بيروت معروفة بأهمّيتها منذ القدم، يوم كان اسمها بيريت وقبل ذلك بكثير. ولا يزال الفضاء الخارجي لهذه المدينة، على الرغم من التحوّل الذي أصاب المدن، وفي الأخصّ في العقود الأخيرة، يحافظ على جوهره، ويشكّل علامة فارقة من حيث الانوجاد داخل الطبيعة والانسجام معها. والحديث عن العاصمة بيروت يختصر الحديث عن البلد بأكمله. ذلك أنّ المدينة هي واحدة من المدن القليلة في العالم التي لم تصبح على مرّ السنين كتلة تتداخل أحياؤها وساحاتها وشوارعها كالمتاهة إلى ما لا نهاية، بل تبدو كمجموعة أحياء تتّصل في ما بينها من خلال الحدائق والممرّات المزهرة. من أجمل صروح المدينة المتاحف وأبرزها متحف الآثار القديمة ومتحف الفنون الحديثة، ومتحف النسيج والفنون التقليديّة، ومتحف السفن. وهناك المسارح التي تقدّم على مدار العام العروض المسرحيّة الجديدة لمخرجين من العالم أجمع، هذا بالإضافة إلى صالات السينما والأوبرا والرقص الحديث، فضلاً عن المكتبات العامّة، وفي مقدّمتها المكتبة الوطنيّة الفريدة من نوعها في الشرق وتحتوي على مليونَي كتاب تتضمّن جميع ما توصّل إليه الإبداع البشري عبر القرون وفي جميع المجالات، لاسيّما المجالات الفكريّة والعلميّة، كما تحتوي على وثائق ومخطوطات نادرة منها مخطوطة لإبن رشد وأخرى لأرسطو، وورقة من البردي خُطَّ عليها التصميم الأوّلي لأحد أهرام الجيزة. ولا تغيب عن المدينة أيضاً المعاهد العليا والجامعات ومنها الجامعة الحديثة للعلوم والتكنولوجيا وهي الأولى من نوعها في المنطقة، هذا بالإضافة إلى مراكز البحوث التي تُعنى بالفكر النقدي ودراسة الأديان وتنفتح على المعارف الجديدة والمعلوماتيّة والثورة التقنية بعامّة.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ عدداً من هذه المكتبات والمؤسّسات والصروح الفنية والعلميّة يقف وراء بنائها صناعيّون ومتموّلون كبار على غرار متحف الفنّ الحديث أو متحف غوغنهايم أو مكتبة بيبر مورغان في نيويورك. لأنّ هؤلاء المتموّلين أتيح لهم أن يتعلّموا ويقرأوا ويكتشفوا أثر المعرفة في التقدّم. أمّا الشوارع فلا تحمل أسماء المبدعين اللبنانيين والعرب العظام وحدهم وإنّما أيضاً أسماء مبدعين من مختلف الأماكن والعصور ومنهم، على سبيل المثال، دانتي وثرفانتس وشكسبير ورامبو وريلكه ودوستويفسكي وباخ وموزارت وجيوتو وبيارو دي لا فرانشسكا وداروين وأينشتاين... وهذه الأسماء، هنا، ليست مجرّد إشارات تدخل في الفولكلور الرسمي للمدن وواجهاتها الاستعراضيّة، بل هي جزء من حضورها الحيّ ومن ضميرها الثقافي.
لافت آخر في المدينة أماكن العبادة التي تحوّلت، في جزء منها، متاحف ومواقع أثريّة، كما تحوّلت مع مرور الزمن هياكل بعلبك. وتتباهى بيروت، مثل طرابلس وصيدا، بحمّاماتها القديمة، وهي بسقوفها المحفورة بالضوء وبفسيفسائها وجداريّات عارياتها الملوّنة التي تزاوج بين جسد المرأة والماء، أقرب إلى قُصَير عمرة في بيداء الأردن. كما تتباهى بساحاتها التي تجمع بين الآثار الرومانيّة والإسلاميّة من جهة، والفنون الجديدة، من جهة ثانية. ولأنّها مدينة كوسموبوليتيّة معروفة بانفتاحها على الثقافات المختلفة، وبابتعادها عن رياح الأصوليّات والتخوين والتكفير، فلقد استعاضت عن تماثيل الزعماء السياسيين المتعاقدين مع الأبد بمنحوتات حديثة ملأت شوارعها وساحاتها، وتحمل تواقيع فنّانين ونحّاتين لبنانيين وعرب وآخرين من جنسيّات مختلفة، وكانوا جاؤوا إليها أو إلى بعض القرى العالية المجاورة لها للمشاركة في السمبوزيوم السنوي الذي تدعو إليه وزارة الثقافة وهي تحظى بدعم قوي ومباشر من زعمائنا، ملوك طوائفنا الذين يعون ما للعاصمة من دور على المستوى الثقافي، داخل محيطها وحتّى في الخارج.
هكذا لا تبدو بيروت اليوم مختصراً لفنون النحت الحديث فقط، وإنّما لمجمل أشكال التعبير الفنّي، وفي طليعتها الموسيقى الراقية. ولا يتأتّى ذلك من ديناميّة شعبها فحسب بل أيضاً، وفي المقام الأوّل، من تشجيع أصحاب السلطة والحكام للمفكّرين والفلاسفة والكتّاب والفنّانين وخصوصاً للمؤرّخين، لأنّهم يدركون تماماً أنّ الشعب الذي لا يقرأ تاريخه القراءة الموضوعيّة اللازمة يبقى أسير ماضيه إلى الأبد.
ولا غرابة في ذلك عندما يكون رئيس البلاد عالِماً ومثقّفاً من طراز رفيع، وداعياً إلى نُظم تربوية وتعليميّة حديثة، وهو على غرار الأمراء والسلاطين الكبار الذين شجّعوا الترجمة والفكر والفنّ، من المأمون إلى السلطان بايازيد الثاني الذي كان يحمل الدواة لخطّاطه، وما كان ليفعل ذلك لو لم يكن هو نفسه خطّاطاً وعاشقاً للخطّ. حتّى أنّ الرئيس اللبناني - وهذه سابقة تسجّل له في العالم المعاصر برمّته - أوعز إلى أخذ الحيطة من أخطار الشاشة الصغيرة في المنازل وتأثيرها على النشء الجديد (مستقبل لبنان وواجهته الحضاريّة)، وضررها في تعميم ثقافة الابتذال الجماهيري القائمة على الهرج والمرج وأساليب الإغراء الرخيص.
لكن كيف نأتي على ذكر ذلك كلّه ولا نلاحظ البذخ الأنثوي الآسر والذي لا مثيل له إلاّ في دول أميركا اللاتينيّة وشوارعها، من كاراكاس إلى بوينس أيرس ومن ريو دي جانيرو إلى بوغوتا. وأجمل ما في نسائنا، المحجّبات والسافرات على السواء، أسنانهنّ التي تبدو، لفرط بياضها وجمالها، كأنّها تطالعنا في حُلم، خاصّة عندما تنفرج الشفتان غير المنفوخَتَين بإبَر التجميل، عن ابتسامة واسعة ثمِلَة هي أقرب إلى الضحك. وهي من المناظر التي يحملها السيّاح معهم من لبنان وتبقى جزءاً من ذكرياتهم إلى أمد طويل.
هذا اللبنان، على المستويات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والجماليّة، هو الامتداد الفعلي لصيدون وبيبلوس، ولصور حيث جاء زوس من وراء البحار وحمل معه أوروبا إلى الضفّة الأخرى من المتوسّط. ولبنان من الدول المتوسطية القليلة والنادرة التي شهدت ولادة حضارات ولا تزال تحقّق التواصل المنشود بين الماضي والحاضر. وهي، في هذا المعنى، ليست كاليونان التي فارقها بريقها وما عادت موجودة إلاّ داخل الكتب والمكتبات القديمة، وليست كمدينة روما التي تنام باكراً يتوسّطها الكوليزيه ، أحد صروح الإجرام الكبرى في التاريخ البشري...
ها هو لبنان الحلم يبتسم لنا من بعيد، فلا يسعنا إلاّ أن نبتسم. ولا يسعنا إلاّ أن نلتفت إليه لعلّه، على غفلة من الزمن، يصبح حقيقة.
("ملحق النهار"، العدد 669 – الثالث من كانون الثاني/ يناير 2005)
