Arrow

نحو مجتمع مدني لاطائفي*

عيسى مخلوف

من اغتيالِ الرئيس الحريري إلى انتفاضةِ الاستقلال، ومن الانسحابِ العسكري والمخابراتي السوري إلى قانونِ الانتخاب وما رافقه من سجالٍ طائفي، ترتسمُ الملامحُ الأساسيّة للحاضرِ الذي يعيشُه لبنان.

انتهت الحرب مع اتفاق الطائف ولم تنتهِ أسبابها. كان ثمّة قرارٌ أن تبقى الحربُ كامنةً في النفوس. فكنّا نعيش وَهْمَ السلام. وما نصَّ عليه الطائف في ما يتعلّقُ بالانسحابِ السوريّ من لبنان وبإيجادِ آليةٍ للخروج من الطائفيةِ السياسية ظلَّ حِبراً على ورق.

كنا، طوالَ خمسَ عشْرَةَ سنة كأننا نستأنفُ حياةً طبيعية في لبنان. عاد المستثمرون وعادت الحركةُ السياحية، وتحرّكت المبادراتُ الثقافية التي أعادت إلى بيروت شيئاً من وَهجٍ ضائع، وعُقِدت، منذ العام ألفَين، الندواتُ والمؤتمراتُ العربيةُ والدوليّة ومنها مؤتمرُ القِمة العربيّة ومؤتمر الفرنكوفونيّة... مقابلَ ذلك، وفي الجانبِ الاقتصادي، لا ننسى باريس واحد وباريس اثنين، والمساعي من أجل التبادلِ الاقتصادي ودخولِ المنتجاتِ اللبنانية الأسواقَ العربيّةَ والعالمية.

كنّا كأنّنا نستأنفُ حياةً طبيعية، فيما لبنان الخارجُ من اتفاقِ الطائف بدا أشبهَ بمريضٍ أعلنوا شِفاءَهُ وتجاوُزَه الخطَرَ لكنّهم تركوهُ في العنايةِ الفائقة. كان ثمّةَ تناقضٌ رهيب يعيشُه لبنان خلالَ الخمسَ عشْرَةَ سنةً الماضية. بلدٌ حُرٌّ بدونِ حرية، مستقلٌ بدونِ استقلال. وكم من أميرٍ من أمراءِ الحرب، ومن أولئك المسؤولين عن مجازرها الكبرى وعن التهجيرِ والتدمير، كوفئ وجيء به إلى الحُكم وتمَّ تعيينُه نائباً أو وزيراً، ولمَ لا وزيراً للمَعوقين! هكذا يعودُ أمراءُ الطوائف إلى الحُكم بدونِ حساب أو محاسبة وبدونِ نقدٍ للذات ولا اعترافٍ بخطأ. ألم تكن هذه حرباً أخرى لكن بدون أسلحة؟ بل وبسلاح الاغتيال عندما كان يتِمُّ التأكّد من وطنيّة المرشَّحِ للاغتيال ودعوتِهِ الصريحة إلى السيادة والاستقلال.

هكذا إذاً انتهتِ الحربُ اللبنانية ولم تنتهِ، لأنّ مسبِّباتِها العميقة ظلّت قائمة. ولم يكن هناك أيُّ مسعىً فعليٍّ للخروجِ من الظروفِ التي ولّدتها. وطوالَ هذه الفترة لم يشهد البلد فِكرةً جديدة واحدة في مستوى الدمارِ الذي حلّ به والخسائرِ التي أصابتهُ في الأرواحِ والممتلكات: مئةٌ وواحد وسبعون ألفَ قتيلٍ في بلدِ الثلاثةِ ملايين، أي- مقارنةً مع عدد السكّان- بنسبةٍ تتجاوزُ ما خَسِرهُ الفرنسيّون بل والحلفاءُ في الحربِ العالميّةِ الثانية.

والسجالُ الطائفي الذي احتدمَ في الأيّامِ الأخيرة لم ينقلْنا فقط إلى المرحلةِ التي سبَقت نشوبَ الحرب منتصفَ السبعينات من القرنِ العشرين، بل ذكّرنا أيضاً بأربعينات القرنِ التاسع عشر. وعبرَ أصواتِ بعضِ الزعماءِ السياسيينَ والروحيين، أحسسنا بأنّ زمنَ القائمقاميّتَين لا يزال حيّاً فينا.

إنّها "ديموقراطيّةُ الطوائف"، وهي تأتي مرّةً أخرى على حسابِ المُواطَنَة والمساواة أمام القانون، وعلى حسابِ الديموقراطيّةِ الفعليّة نفسِها. وتُمهِّد، كما هي العادة دائماًً، إلى شحنِ النفوسِ وتجييشِها وتهيئةِ الظروفِ الملائمة لحروبٍ متجدِّدة.

ليس جديداً القول إنّ التحدي الأخطر هو البنيةُ الطائفيّة للمجتمعِ اللبناني. وهي التي تُساهمُ في تغذية المَخاطِرِ الخارجية ومَدِّها بما يُساعدُها على التدخّلِ في الشؤونِ الداخليّة، وفي جعلِ لبنانَ مرآةً للصراعاتِ الإقليميّةِ والدُوَليّة. ومن المعروف أنَّ اللبنان الطائفي هو أكثرُ ما يُناسب إسرائيل. ذلك أنَّ الدولةَ العِبريّة تخشى من دولةٍ عربيةٍ مجاورةٍ لها، قائمة تاريخياً على التعدّدية، وعلى تمازُجِ طوائفَ دينيةٍ مختلفة، تماماً كما تخشى من تطوُّرِها الاجتماعي ومنِ ازدهارِها الاقتصاديِّ والثقافي. النظامُ العربيّ- مُنتِج الأصوليّاتِ المزدهرة، والمحاصَر بلحظةِ انحطاطٍ تاريخي- هو أيضاً يخشى من أن يَنحُوَ التنوّعُ اللبنانيُّ منحىً ديموقراطياً.

من الأسئلة الأساسيّة المطروحة علينا الآن والتي يتوقّف على طريقةِ الإجابةِ عنها ليس مستقبل لبنان فقط، بل بقاؤهُ أو عدمُ بقائِه: هل محكومٌ على لبنان أن يظلَّ بلداً مهدّداً بتنوُّعِهِ الطائفيّ، أم أنّ هذا التنوّع من الممكن أن ينقلبَ من عاملٍ للاختلافِ والتفجّر إلى عاملٍ للائتلاف والقوّة، وكيف؟ كيف تُمكنُ العلمانيّةُ أن تجدَ صدىً في الوقتِ الحالي أمام المناقشاتِ الجارية حولَ السياسةِ والدين ليس فقط في لبنان بل في العالم العربيِّ بأكمله؟ كيف يمكن أن يتحوّلَ الالتفافُ حولَ الحريةِ والسيادةِ والاستقلالِ والتحقيقِ الدولي في عمليةِ اغتيال الحريري إلى التفافٍ لنبذِ الطائفية؟ كيف يمكنُ تحويلُ التحرّكِ نحو مجتمعٍ مدنيٍّ لاطائفيّ من شعارٍ وعنوانٍ لنَدوة أو لقاءٍ عابر إلى تكتُّلٍ فعليّ قادرٍ على تغييرِ المعطياتِ القائمة وإنتاجِ مقولاتٍ ثقافيةٍ قابلة للتحول الى برامجَ شمولية لتغييرِ الواقعِ الطائفي؟

ولا يمكنُ أن نجيبَ عن هذه الأسئلة إذا لم نبدأْ بقراءةٍ تاريخيةٍ نقدية للحربِ اللبنانية وأسبابِها وللانقساماتِ والحروبِ التي سَبَقتها منذُ القرنِ التاسع عشر حتى اليوم. هذه القراءة هي التي ستؤسّسُ لواقعٍ جديد وتمنحُ معنىً لانتفاضةِ الاستقلال حتّى لا يَضيعَ المعنى وحتى لا يتحوّل العَلمُ اللبنانيُّ الواحد حِجاباً تختبئُ وراءهُ نَزَعاتُ التفرقةِ والتنابذ.

هذه القراءة النقديّة يمكن أن تكونَ بدايةَََ ثورةٍ ثقافيّة يحتاج إليها لبنان. ثورة تأتي من خارجِ النظامِ السياسيِّ الطائفيّ وتَعني الجميع. وانطلاقاً منها يُصارُ إلى الالتفافِ حول ما يجمع لا حول ما يُفرِّق، وبالأخصّ حول القواسم المشتركة والإرثِ الواحد. (فالمجتمع اللبناني، كسائر المجتمعات، لا ينطوي على عوامل انقسام فقط بل هناك أيضاً عوامل توحيد لكنها عوامل تحتاج إلى بلورة وكشف.)

(...) علينا أن نركّزَ على دورِ الثقافةِ في التغيير. الثورةُ الفرنسية بدأت مشروعاً ثقافياً فكرياً، والوَحدةُ الأوروبية بدأت هي الأخرى مشروعاً في أذهانِ مفكرينَ وفلاسفة ورجالِ قانونٍ ومصلحينَ اجتماعيين قبلَ أن تتحوّلَ إلى مشروعٍ سياسيٍّ تدعمهُ المؤسساتُ السياسيةُ والاقتصادية ويتبلورُ تدريجياً عبر سلسلةٍ من الرؤى والتطبيقات.

في كتابهِ "صُورُ المثقّف"، يقول إدوارد سعيد : "بدونِ المثقفين لم تشتعلْ أيُّ ثورةٍ رئيسة في التاريخِ الحديث، وفي المقابل لم تَقُمْ أيُّ حركةٍ مضادّةٍ للثورة بدونِ المثقفين". صحيح. في لبنان كذلك هناك مثقّفون يبحثونَ عن صدى لصوتِهم داخلَ طوائفهم، ومنهم من درسَ في الجامعاتِ الغربيّة وله أبحاثٌ ومؤلّفات، وهناك من لا ينتمي إلى تلك الفئة بل يؤمنُ بفِكرة الدولةِ المعاصِرة والحديثة. على هؤلاءِ المثقّفين تقعُ اليومَ مسؤوليّاتٌ كبيرة، داخلَ لبنان وخارجَه، في بلورةِ ثقافةٍ جديدة تساعدُ لبنان على الخروجِ من منطقِ العصبياتِ الطائفيّة والنظامِ السياسيِّ الطائفي إلى ما يَليق بخصوصيّةِ هذا البلدِ الصغير، داخلَ محيطِهِ وفي العالم، وإلى ما يَليق أيضاً باللحظاتِ المشعّةِ في تاريخِ أهلِهِ وشعبِه.


(* أُلقيتْ هذه المداخلة في "مركز استقبال الصحافة الأجنبية" في باريس، ضمن ندوة بعنوان "نحو مجتمع مدني لاطائفي"، دعا إليها "المنتدى الثقافي اللبناني"، في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2005).

Arrow
image d'insertion