Arrow

"يوم الوفاء للشهيد سمير قصير"
أمام "معهد العالم العربي" في باريس *

عيسى مخلوف

لو كان سمير قصير من الخائفين لما كان كتب مقالاته الجريئة التي أرّخت لعهد جديد في الصحافة اللبنانية والعربية. كان إيمانه بالديموقراطية والقضايا العادلة بدءاً من القضية الفلسطينية، أقوى من الخوف. هو الذي لم يحمِل سلاحاً كان يعرف أنّه يخوض حرباً، وكان يواجه بصورة علنيّة مكشوفة، أمّا المدجّجون بالسلاح فكانوا هم الخائفين المذعورين. يترصّدون خطوات الأعزل ويزرعون قنابلهم في الظلام.

الذين قتلوا سمير قصير لا يعرفون لغة أخرى غير القتل. أولئك الذين يكرهون المدن بما هي عواصم لقاء وتبادل وانفتاح، ويكرهون العمران والشوارع المضاءة والمدارس المفتوحة، لا يمكنهم أن يقبلوا بكاتب أو إعلامي يعبّر عن نفسه بحرية ويشير بإصبع الاتهام إلى تركيبة هذه الأنظمة الدموية القائمة على البطش والترويع.

إنّ الرد الأساسي على الاغتيال السياسي في لبنان يبدأ من وحدة أهل البيت، أو على الأقلّ من وحدة المعارضة لا سيّما الفئة المتنوّرة فيها، بعيداً من الحسابات الانتخابيّة، وإلاّ كيف نظلّ أوفياء لانتفاضة الاستقلال؟ الردّ الأساسي هو في الخروج من نهج الطائفية السياسية التي هي شكل من أشكال الاحتلال، وهي العائق الأول أمام سيادة البلد واستقلاله ومساره الديموقراطي. وهي الثغرة التي يتكئ عليها من يستهدف لبنان للتسلل إلى قلبه وتصفية علاماته المضيئة الواحدة بعد الأخرى. بهذا المعنى يمكن القول إنّ الطائفية السياسية هي الحليف الأول لأولئك الذين يقتلعون أمام أعيننا أجمل ورودنا وأحلامنا. وليس الانقضاض، وبهذه الشراسة والوحشية، على رموز لبنانيّة كبيرة، إلاّ من باب محاولة قتل البلد الصغير ذاته وخنقه بأيدي أبنائه أنفسهم.

إذاً، وحتى لا تذهب سدى دماءُ سمير قصير وقبله دماء رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما، وقبلهم دماء مهدي عامل وحسين مروّة وكلّ الأبرياءِ والمعتدلين والبنائين والحالمين التائقين إلى لبنان آخر يليق بأبنائه، نعم حتى لا تذهب دماؤهم سدى وحتى لا يتواصل هذا النزف، علينا أن نعي حقيقة المخاطر المحدقة بنا، وأن نعمل على تجاوزها لأنّ لبنان بأكمله اليوم هو المرشّح للاغتيال.

(* الكلمة التي ألقيت بمناسبة "يوم الوفاء للشهيد سمير قصير"، ونشرتها صحيفة "النهار"، الخامس من حزيران/ يونيو 2005).

Arrow
image d'insertion